الشنقيطي
252
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ [ 16 ] . ذكر أبو حيان في قراءة ءامنتم عدة قراءات من تحقيق الهمزتين ، ومن تسهيل الثانية ومن إدخال ألف بينهما وغير ذلك ، والخسف ذهابها سفلا ، كما خسف بقارون ، والمور الحركة المضطربة أو الحركة بسرعة ، وقد ثبتها تعالى بالجبال أوتادا كما قال : وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) مَتاعاً لَكُمْ [ النازعات : 32 - 33 ] ، ومن السماء . قال ابن جرير « 1 » : هو اللّه تعالى اه . وعزاه القرطبي لابن عباس ، ويشهد لما قاله : ما جاء بعده من خسف الأرض وإرسال الحاصب ، فإنه لا يقدر عليه إلا اللّه ، كما أنه ظاهر النص ، وبهذا يرد على الكسائي فيما ذهب إليه ومن تبعه عليه كأبي حيان ، إذا قالوا : إنه على تقدير محذوف من قبيل المجاز ، ومجازه عندهم أن ملكوته في السماء أي على حذف مضاف وملكوته في كل شيء ، ولكن خص السماء بالذكر ، لأنها مسكن ملائكته ، وثم عزته وكرسيه واللوح المحفوظ . ومنها تتنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونهيه . إلخ . وقيل : هو جبريل لأنه الموكل بالخسف ، وقيل : إنه مجاراة لهم في معتقدهم بأن اللّه في السماء ، وهذه الأقوال مبناها على نفي صفة العلو للّه تعالى ، وفرارا من التشبيه في نظرهم ، ولسكن ما عليه السلف خلاف ما ذهبوا إليه ، ومعتقد السلف هو طبق ما قاله ابن جرير لحديث الجارية : « أين اللّه ؟ قالت في السماء ، قال : اعتقها فإنها مؤمنة » « 2 » ولعدة آيات في هذا المعنى . وقد بحث الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه هذا المبحث بأوسع وأوضح ما يمكن مما لم يدع لبسا ولا يترك شبهة ، ولا يستغني عنه مسلم عالما كان أو متعلما ، فالعالم يأخذ منه منهج التعليم السليم وأسلوب البيان الحكيم ، والمتعلم يأخذ منه ما يجب عليه من معتقد قويم واضح جلي سليم . وقد يقال : إن معنى في هو الظرفية ، فنجعل السماء ظرفا للّه تعالى ، وهذا يقتضي التشبيه بالمتحيز .
--> ( 1 ) جامع البيان 29 / 6 . ( 2 ) سبق تخريجه .